ابن كثير
207
البداية والنهاية
محفة . قاله ابن السبط . وكان قد نادى في دمشق : من له عندنا شئ فليأت ، فاجتمع خلق كثير بالقلعة ، فدفعت إليهم أموالهم وفي عاشر صفر دخل إلى دمشق نائبها الأمير جمال الدين بن يغمور من جهة الصالح أيوب فنزل بدرب الشعارين داخل باب الجابية ، وفي جمادى الآخرة أمر النائب بتخريب الدكاكين المحدثة وسط باب البريد ، وأمر أن لا يبقى فيها دكان سوى ما في جانبيه إلى جانب الخياطين القبلي والشامي ، وما في الوسط يهدم . قال أبو شامة : وقد كان العادل هدم ذلك ثم أعيد ثم هدمه ابن يغمور ، والمرجو استمراره على هذه الصفة . وفيها توجه الناصر داود من الكرك إلى حلب فأرسل الصالح أيوب إلى نائبه بدمشق جمال الدين بن يغمور بخراب دار أسامة المنسوبة إلى الناصر بدمشق ، وبستانه الذي بالقابون ، وهو بستان القصر ، وأن تقلع أشجاره ويخرب القصر ، وتسلم الصالح أيوب الكرك من الأمجد حسن بن الناصر ، وأخرج من كان بها من بيت المعظم ( 1 ) ، واستحوذ على حواصلها وأموالها ، فكان فيها من الذهب ألف ألف دينار ، وأقطع الصالح الأمجد هذا إقطاعا جيدا . وفيها طغى الماء ببغداد حتى أتلف شيئا كثيرا من المحال والدور الشهيرة ، وتعذرت الجمع في أكثر الجوامع بسبب ذلك سوى ثلاث جوامع ، ونقلت توابيت جماعة من الخلفاء إلى الترب من الرصافة خوفا عليهم من أن تغرق محالهم ، منهم المقتصد بن الأمير أبي أحمد المتوكل ، وذلك بعد دفنه بنيف وخمسين سنة وثلاثمائة سنة ، وكذا نقل ولده المكتفي وكذا المقتفي بن المقتدر بالله رحمهم الله تعالى . وفيها هجمت الفرنج على دمياط فهرب من كان فيها من الجند والعامة ( 2 ) واستحوذ الفرنج على الثغر وقتلوا خلقا كثيرا من المسلمين ، وذلك في ربيع الأول منها ، فنصب السلطان المخيم تجاه العدو بجميع الجيش ، وشنق خلقا ممن هرب من الفرنج ، ولامهم على ترك المصابرة قليلا ليرهبوا عدو الله وعدوهم ، وقوي المرض وتزايد بالسلطان جدا ، فلما كانت ليلة النصف من شعبان توفي إلى رحمة الله تعالى بالمنصورة ، فأخفت جاريته أم خليل المدعوة شجرة الدر موته ، وأظهرت أنه مريض مدنف لا يوصل إليه ، وبقيت تعلم عنه بعلامته سواء . وأعلمت إلى أعيان الامراء فأرسلوا إلى ابنه الملك المعظم توران شاه وهو بحصن كيفا ،
--> ( 1 ) والمعظم عيسى هو ابن الملك الناصر داود ، وقد استنابه على الكرك عندما ذهب مستجيرا بصاحب حلب الملك الناصر . وكان للمعظم أخوان هما الأمجد حسن والظاهر شاذي - وهما أكبر منه - وقد غضبا لتقديمه عليهما ، فتوجه الأمجد حسن إلى الصالح أيوب وهو مريض بالمنصورة وعرض عليه تسليمه الكرك مقابل اعطاءه وأخيه اقطاعا لهما بديار مصر . وتسلمها الصالح أيوب لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة 647 ه ( ابن خلدون - أبي الفداء ) . ( 2 ) وخاصة بنو كنانة الذين جعلهم الصالح أيوب على ثغر دمياط لحمايته ، وقد هربوا وتركوا أبواب دمياط مفتحة فتملكها الفرنج بغير قتال . وقد لجأ الصالح أيوب إلى القبض على بني كنانة وأمر بشنقهم فشنقوا عن أخرهم ( تاريخ أبي الفداء - بدائع الزهور ) .